مرکز مطالعات شيعه
ArticleID PicAddress Subject Date
{ArticleID}
{Header}
{Subject}

{Comment}

 {StringDate}
Tuesday 26 January 2021 - الثلاثاء 13 جمادى الثانية 1442 - سه شنبه 7 11 1399
 
 
 
 
 
 
 
  • من رحاب نهج البلاغة (المواعظ والارشادات) – التقوى والفسوق  
  • 1436-12-04 18:49:58  
  • المشاهدون : 31   
  • ارسل الى صديق
  •  
  •  
  •  من رحاب نهج البلاغة (المواعظ والارشادات) – التقوى والفسوق
    مدخل:
    التقوى في أصل معناها من الوقاية، والوقاية تعني الحذر والاحتراز والبعد والاجتناب.
    والتعريف السابق يمثل الوجه السلبي للتقوى. إلاّ أن التقوى في نهج البلاغة تأخذ معنى أعمق، يمثل الوجه الايجابي لهذه الخاصة. فالامام علي (ع) يعتبر التقوى التي هي في الاصل حذر وبعد عن الشر، يعتبرها قوة روحية تتولد للانسان، من جراء تمرين النفس على الحذر من الذنوب. اذن فهي ملكة تتولد في النفس تحصل من التمرين والممارسة، فتجعل الانسان يقدم على القيم الروحية ويحجم عن القيم المادية.
    وهكذا نجد أن التقوى في نهج البلاغة: حالة تهب لروح الانسان قدرة يتسلط بها على نفسه فيمتلكها، ويسيّرها كما يرد لا كما تريد.
    وبذلك لا تكون التقوى قيدا يمنع الانسان من الحرية، بل هي منبع التحرر من أسر الماديات.
    ويشبّه الامام (ع) التقوى باللباس، كما في قوله تعالى ولِبَاسُ التَّقْوى‏ ذلِكَ خَيْرٌ ويقول:
    يجب علينا أن نحافظ على التقوى حتى تقينا من الاخطار، وذلك مثل اللباس الذي نلبسه، فاذا حافظنا عليه من التمزق والسرقة، فانه يحافظ علينا من الحر والبرد والبأس والبؤس.
    التقوى والورع الفسوق والفساد والفجور
    قال الامام علي (ع):
    ذمّتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم إنّ من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلات، حجزته التّقوى عن تقحّم الشّبهات... ألا وإنّ الخطايا خيل شمس، حمل عليها أهلها وخلعت لجمها، فتقحّمت بهم في النّار. ألا وإنّ التّقوى مطايا ذلل، حمل عليها أهلها وأعطوا أزمّتها، فاوردتهم الجنّة. (الخطبة ١٦، ٥٥)
    لا يهلك على التّقوى سنخ أصل، ولا يظمأ عليها زرع قوم. فاستتروا في بيوتكم، وأصلحوا ذات بينكم، والتّوبة من ورائكم. ولا يحمد حامد إلاّ ربّه، ولا يلم لائم إلاّ نفسه. (الخطبة ١٦، ٥٨)
    فاتّقوا اللّه عباد اللّه، وفرّوا إلى اللّه من اللّه، وامضوا في الّذي نهجه لكم، وقوموا بما عصبه بكم. فعليّ ضامن لفلجكم آجلا، إن لم تمنحوه عاجلا. (الخطبة ٢٤، ٧٠)
    أمّا بعد فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة، فتحه اللّه لخاصّة أوليائه. وهولباس التّقوى، ودرع اللّه الحصينة. (الخطبة ٢٧، ٧٥)
    أمّا الإمرة البرّة فيعمل فيها التّقيّ، وأمّا الإمرة الفاجرة فيتمتّع فيها الشّقيّ. (الخطبة ٤٠، ٩٩)
    فاتقى عبد ربّه، نصح نفسه، وقدّم توبته، وغلب شهوته. (الخطبة ٦٢، ١٨٨)
    رحم اللّه امرأ... جعل الصّبر مطيّة نجاته، والتّقوى عدّة وفاته. (الخطبة ٧٤، ١٣٠)
    الزّهادة قصر الأمل، والشّكر عند النّعم، والتّورّع عند المحارم. (الخطبة ٧٩، ١٣٤)
    أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الّذي ضرب الأمثال، ووقّت لكم الآجال، وألبسكم الرّياش، وأرفغ لكم المعاش، وأحاط بكم الإحصاء، وأرصد لكم الجزاء، وآثركم بالنّعم السّوابغ، والرّفد الرّوافغ (أي الواسعة)، وأنذركم بالحجج البوالغ. فأحصاكم عددا، ووظّف لكم مددا، في قرار خبرة، ودار عبرة، أنتم مختبرون فيها، ومحاسبون عليها. (الخطبة ٨١، ١، ١٣٧)
    أوصيكم بتقوى اللّه الّذي أعذر بما أنذر، واحتجّ بما نهج، وحذّركم عدوّا نفذ في الصّدور خفيا (أي الشيطان)، ونفث في الآذان نجيّا. فأضلّ وأردى، ووعد فمنّى، وزيّن سيّئات الجرائم، وهوّن موبقات العظائم. (الخطبة ٨١، ٢، ١٤٥)
    فإن أتاكم اللّه بعافية فاقبلوا، وإن ابتليتم فاصبروا، فإنّ العاقبة للمتّقين. (الخطبة ٩٦، ١٩١)
    وارغبوا فيما وعد المتّقين، فإنّ وعده أصدق الوعد. (الخطبة ١٠٨، ٢١٣)
    وقال (ع) عن الدنيا: لا خير في شي‏ء من أزوادها إلاّ التّقوى. (الخطبة ١٠٩، ٢١٥)
    أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، الّتي هي الزّاد وبها المعاذ: زاد مبلغ، ومعاذ منجح. دعا إليها أسمع داع، ووعاها خير واع. فأسمع داعيها، وفاز واعيها. عباد اللّه، إنّ تقوى اللّه حمت أولياء اللّه محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته، حتّى أسهرت لياليهم، وأظمأت هواجرهم. فأخذوا الرّاحة بالنّصب، والرّيّ بالظّمإ. واستقربوا الأجل، فبادروا العمل، وكذّبوا الأمل، فلاحظوا الأجل (الخطبة ١١٢، ٢٢٠)
    فاتّقوا اللّه حقّ تقاته، ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون. (الخطبة ١١٢، ٢٢٢)
    ولوأنّ السّموات والأرضين كانتا على عبد رتقا ثمّ اتّقى اللّه لجعل اللّه له منهما مخرجا. (الخطبة ١٢٨، ٢٤١)
    فمن أشعر التّقوى قلبه، برّز مهله (أي فاق غيره بتقدمه الى الخير) وفاز عمله. (الخطبة ١٣٠، ٢٤٤)
    أين العقول المستصبحة بمصابيح الهدى، والأبصار اللاّمحة إلى منار التّقوى؟ أين القلوب الّتي وهبت للّه، وعوقدت على طاعة اللّه؟ (الخطبة ١٤٢، ٢٥٦)
    اعلموا عباد اللّه أنّ التّقوى دار حصن عزيز. والفجور دار حصن ذليل. لا يمنع أهله، ولا يحرز (أي يحفظ) من لجأ إليه. ألا وبالتّقوى تقطع حمة الخطايا (الحمة هي ابرة الزنبور والعقرب) وباليقين تدرك الغاية القصوى. (الخطبة ١٥٥، ٢٧٧)
    أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه وطاعته، فإنّها النّجاة غدا، والمنجاة أبدا. (الخطبة ١٥٩، ٢٨٦)
    اتّقوا اللّه في عباده وبلاده، فإنّكم مسؤولون حتّى عن البقاع والبهائم. (١٦٥، ٣٠٢)
    أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه فإنّها خير ما تواصى العباد به، وخير عواقب الأمور عند اللّه. (الخطبة ١٧١، ٣٠٨)
    واللّه ما أرى عبدا يتّقي تقوى تنفعه حتّى يخزن لسانه. (الخطبة ١٧٤، ٣١٥)
    وأوصاكم بالتّقوى وجعلها منتهى رضاه وحاجته من خلقه. فاتّقوا اللّه الّذي أنتم بعينه، ونواصيكم بيده، وتقلّبكم في قبضته. إن أسررتم علمه، وإن أعلنتم كتبه. قد وكّل بذلك حفظة كراما لا يسقطون حقا ولا يثبتون باطلا. واعلموا أنّه من يتّق اللّه يجعل له مخرجا من الفتن، ونورا من الظّلم، ويخلّده فيما اشتهت نفسه، وينزله منزل الكرامة عنده، في دار اصطنعها لنفسه... (الخطبة ١٨١، ٣٣١)
    واعتصموا بتقوى اللّه، فإنّ لها حبلا وثيقا عروته، ومعقلا منيعا ذروته. (الخطبة ١٨٨، ٣٥٠)
    عباد اللّه أوصيكم بتقوى اللّه فإنّها حقّ اللّه عليكم، والموجبة على اللّه حقّكم. وأن تستعينوا عليها باللّه، وتستعينوا بها على اللّه. فإنّ التّقوى في اليوم الحرز والجنّة، وفي غد الطّريق إلى الجنّة. مسلكها واضح، وسالكها رابح. ومستودعها حافظ. لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين منكم والغابرين، لحاجتهم إليها غدا. إذا أعاد اللّه ما أبدى، وأخذ ما أعطى، وسأل عمّا أسدى. فما أقلّ من قبلها وحملها حقّ حملها. أولئك الأقلّون عددا. وهم أهل صفة اللّه سبحانه إذ يقول وقَلِيْلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ. فأهطعوا بأسماعكم إليها. وكظّوا بجدّكم عليها. واعتاضوها من كلّ سلف خلفا، ومن كلّ مخالف موافقا. أيقظوا بها نومكم، واقطعوا بها يومكم. وأشعروها قلوبكم، وارحضوا بها ذنوبكم. وداووا بها الأسقام، وبادروا بها الحمام. واعتبروا بمن أضاعها، ولا يعتبرنّ بكم من أطاعها. ألا فصونوها وتصوّنوا بها، وكونوا عن الدّنيا نزّاها، وإلى الآخرة ولاّها. ولا تضعوا من رفعته التّقوى، ولا ترفعوا من رفعته الدّنيا... (الخطبة ١٨٩، ٣٥٤)
    فاتّقوا اللّه ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا، ولا لفضله عندكم حسّادا. (الخطبة ١٩٠، ٢، ٣٦١)
    أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، فإنّها الزّمام والقوام. فتمسّكوا بوثائقها واعتصموا بحقائقها. تؤل بكم إلى أكنان الدّعة وأوطان السّعة. ومعاقل الحرز ومنازل العزّ. في يوم تشخص فيه الأبصار... (الخطبة ١٩٣، ٣٨٤)
    أمّا بعد فإنّي أوصيكم بتقوى اللّه الّذي ابتدأ خلقكم، وإليه يكون معادكم. وبه نجاح طلبتكم، وإليه منتهى رغبتكم. ونحوه قصد سبيلكم، وإليه مرامي مفزعكم. فإنّ تقوى اللّه دواء داء قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم. وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم. وطهور دنس أنفسكم، وجلاء عشا أبصاركم. وأمن فزع جأشكم، وضياء سواد ظلمتكم. فاجعلوا طاعة اللّه شعارا دون دثاركم، ودخيلا دون شعاركم،
    ولطيفا بين أضلاعكم، وأميرا فوق أموركم، ومنهلا لحين ورودكم، وشفيعا لدرك طلبتكم، وجنّة ليوم فزعكم، ومصابيح لبطون قبوركم، وسكنا لطول وحشتكم، ونفسا لكرب مواطنكم. فإنّ طاعة اللّه حرز من متالف مكتنفة، ومخاوف متوقّعة، وأوار نيران موقدة. فمن أخذ بالتّقوى عزبت (أي بعدت) عنه الشّدائد بعد دنوّها، واحلولت له الأمور بعد مرارتها، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها، وأسهلت له الصّعاب بعد إنصابها، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها وتحدّبت عليه الرّحمة بعد نفورها، وتفجّرت عليه النّعم بعد نضوبها، ووبلت عليه البركة بعد إرذاذها (أي أمطرت عليه البركة بعد ان كانت تنزل رذاذا). فاتّقوا اللّه الّذي نفعكم بموعظته، ووعظكم برسالته، وامتنّ عليكم بنعمته. فعبّدوا أنفسكم لعبادته، واخرجوا إليه من حقّ طاعته. (الخطبة ١٩٦، ٣٨٧)
    فإنّ تقوى اللّه مفتاح سداد، وذخيرة معاد. وعتق من كلّ ملكة (أي عتق من رق الشهوات)، ونجاة من كلّ هلكة. بها ينجح الطّالب، وينجوالهارب، وتنال الرّغائب. (الخطبة ٢٢٨، ٤٣١)
    أمره بتقوى اللّه في سرائر أمره وخفيّات عمله. حيث لا شهيد غيره، ولا وكيل دونه. وأمره ألاّ يعمل بشي‏ء من طاعة اللّه فيما ظهر فيخالف إلى غيره فيما أسرّ، ومن لم يختلف سرّه وعلانيته، وفعله ومقالته، فقد أدّى الأمانة وأخلص العبادة. (الخطبة ٢٦٥، ٤٦٣)
    وقال (ع) في وصيته لابنه الحسن (ع): فإنّي أوصيك بتقوى اللّه أي بنيّ ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله. وأيّ سبب أوثق من سبب بينك وبين اللّه إن أنت أخذت به. (الخطبة ٢٧٠، ١، ٤٧٤)
    واعلم يا بنيّ أنّ أحبّ ما أنت آخذ به إليّ من وصيّتي تقوى اللّه، والاقتصار على ما فرضه اللّه عليك. (الخطبة ٢٧٠، ١، ٤٧٧)
    فاتّق اللّه يا معاوية في نفسك، وجاذب الشّيطان قيادك، فإنّ الدّنيا منقطعة عنك، والآخرة قريبة منك، والسّلام. (الخطبة ٢٧١، ٤٩١)
    فاتّق اللّه واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم. (الخطبة ٢٨٠، ٤٩٩)
    ومن عهده (ع) لمالك الاشتر لما ولاه على مصر وأعمالها: أمره بتقوى اللّه وإيثار طاعته، واتّباع ما أمر به في كتابه: من فرائضه وسننه، الّتي لا يسعد أحد إلاّ باتّباعها، ولا يشقى إلاّ مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر اللّه سبحانه بقلبه ويده ولسانه. فإنّه جلّ اسمه قد تكفّل بنصر من نصره، وإعزاز من أعزّه. وأمره أن يكسر نفسه من الشّهوات، ويزعها (أي يكفّها) عند الجمحات. فإنّ النّفس أمّارة بالسّوء، إلاّ ما رحم اللّه. (الخطبة ٢٩٢، ١، ٥١٧)
    والورع جنّة (٣ ح، ٥٦٥)
    لا يقلّ عمل مع التّقوى، وكيف يقلّ ما يتقبّل؟ (٩٥ ح، ٥٨١)
    ولا كرم كالتّقوى... ولا ورع كالوقوف عند الشّبهة. (١١٣ ح، ٥٨٦)
    عظم الخالق عندك يصغّر المخلوق في عينك. (١٢٩ ح، ٥٨٩)
    وخاطب الامام (ع) الموتى وقد مر بقبور الكوفة، ثم التفت الى أصحابه فقال: أما لوأذن لهم في الكلام لأخبروكم أنّ خير الزّاد التّقوى. (١٣٠ ح، ٥٨٩)
    أيّها النّاس، اتّقوا اللّه الّذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم... (٢٠٣ ح، ٦٠٣)
    اتّقوا اللّه تقيّة من شمّر تجريدا وجدّ تشميرا، وكمّش في مهل، وبادر عن وحل، ونظر في كرّة الموئل وعاقبة المصدر ومغبّة المرجع. (٢١٠ ح، ٦٠٤)
    اتّق اللّه بعض التّقى وإن قلّ، واجعل بينك وبين اللّه سترا وإن رقّ. (٢٤٢ ح، ٦١٠)
    من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصّر فيها ظلم، ولا يستطيع أن يتّقي اللّه من خاصم. (٢٩٨ ح، ٦٢٦)
    معاشر النّاس، اتّقوا اللّه فكم من مؤمّل ما لا يبلغه، وبان ما لا يسكنه، وجامع ما سوف يتركه، ولعلّه من باطل جمعه، ومن حقّ منعه: أصابه حراما، واحتمل به آثاما. فباء بوزره، وقدم على ربّه آسفا لاهفا. قد خسر الدّنيا والآخرة، ذلك هوالخسران المبين.(٣٤٤ ح، ٦٣٥)
    ومن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النّار. (٣٤٩ ح، ٦٣٦)
    أيّها النّاس، اتّقوا اللّه، فما خلق امرؤ عبثا فيلهو، ولا ترك سدى فيلغو. (٣٧٠ ح، ٦٤٠)
    لا شرف أعلى من الإسلام، ولا عزّ أعزّ من التّقوى، ولا معقل أحسن من الورع.(٣٧١ ح، ٦٤١)
    ألا وإنّ من البلاء الفاقة، وأشدّ من الفاقة مرض البدن، وأشدّ من مرض البدن مرض القلب. ألا وإنّ من النّعم سعة المال. وأفضل من سعة المال صحّة البدن، وأفضل من صحّة البدن تقوى القلب. (٣٨٨ ح، ٦٤٥)
    التّقى رئيس الأخلاق. (٤١٠ ح، ٦٤٩)
    الإيمان أن تؤثر الصّدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك، وأن لا يكون في حديثك فضل عن عملك، وأن تتّقي اللّه في حديث غيرك. (٤٥٨ ح، ٦٥٨)
    التقوى حرية لا قيد
    قال الامام علي (ع):
    اعلموا عباد اللّه، إنّ التّقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ إليه. ألا وبالتّقوى تقطع حمة الخطايا، وباليقين تدرك الغاية القصوى. (الخطبة ١٥٥، ٢٧٧)
    فإنّ تقوى اللّه مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كلّ ملكة، ونجاة من كلّ هلكة. (الخطبة ٢٢٨، ٤٣١)
    اقطعوا عن أنفسكم لسعة هذه العقارب بالتّقوى. (قول مشهور)
    حافظوا على التقوى تحفظكم
    قال الامام علي (ع):
    عباد اللّه، أوصيكم بتقوى اللّه، فإنّها حقّ اللّه عليكم، والموجبة على اللّه حقّكم. وأن تستعينوا عليها باللّه، وتستعينوا بها على اللّه.... أيقظوا بها نومكم، واقطعوا بها يومكم، وأشعروها قلوبكم... ألا فصونوها وتصوّنوا بها. (الخطبة ١٨٩، ٣٥٤)
    صفات المتقين والفاسقين
    (رجال اللّه وأولياؤه العارفون باللّه السالكون الطريق الى اللّه)
    قال الامام علي (ع):
    في أصناف المسيئين: والنّاس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلاّ مهانة نفسه، وكلالة حدّه، ونضيض وفره (أي قلة ماله). ومنهم المصلت لسيفه، والمعلن بشرّه، والمجلب بخيله ورجله. قد أشرط نفسه، وأوبق دينه، لحطام ينتهزه، أومقنب (طائفة من الخيل) يقوده، أومنبر يفرعه (أي يعلوه). ولبئس المتجر أن ترى الدّنيا لنفسك ثمنا، وممّا لك عند اللّه عوضا ومنهم من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا. قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمّر من ثوبه، وزخرف من نفسه للأمانة، واتّخذ ستر اللّه ذريعة إلى المعصية. ومنهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرته الحال على حاله، فتحلّى باسم القناعة، وتزيّن بلباس أهل الزّهادة، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى.. وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر. فهم بين شريد نادّ (أي هارب من الجماعة الى الوحدة)، وخائف مقموع، وساكت مكعوم، وداع مخلص، وثكلان موجع. قد أخملتهم التّقيّة، وشملتهم الذّلّة. فهم في بحر أجاج، أفواههم ضامزة (أي ساكنة)، وقلوبهم قرحة. قد وعظوا حتّى ملّوا، وقهروا حتّى ذلّوا، وقتلوا حتّى قلّوا. (الخطبة ٣٢، ٨٦)
    وإنّما سمّيت الشّبهة شبهة لأنّها تشبه الحقّ. فأمّا أولياء اللّه فضياؤهم فيها اليقين، ودليلهم سمت الهدى. (الخطبة ٣٨، ٩٧)
    أمّا الإمرة البرّة فيعمل فيها التّقيّ، وأمّا الإمرة الفاجرة فيتمتّع فيها الشّقيّ، إلى أن تنقطع مدّته، وتدركه منيّته. (الخطبة ٤٠، ٩٩)
    رحم اللّه امرءا سمع حكما فوعى، ودعي إلى رشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا. راقب ربّه، وخاف ذنبه. قدّم خالصا، وعمل صالحا. اكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، ورمى غرضا، وأحرز عوضا. كابر هواه، وكذّب مناه. جعل الصّبر مطيّة نجاته، والتّقوى عدّة وفاته. ركب الطّريقة الغرّاء، ولزم المحجّة البيضاء. اغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزوّد من العمل. (الخطبة ٧٤، ١٣٠)
    فاتّقوا اللّه تقيّة من سمع فخشع، واقترف فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، وأيقن فأحسن، وعبّر فاعتبر، وحذّر فحذر، وزجر فازدجر، وأجاب فأناب، وراجع فتاب، واقتدى فاحتذى، وأري فرأى. فأسرع طالبا، ونجا هاربا، فأفاد ذخيرة، وأطاب سريرة، وعمّر معادا، واستظهر زادا، ليوم رحيله ووجه سبيله، وحال حاجته وموطن فاقته، وقدّم أمامه لدار مقامه. فاتّقوا اللّه عباد اللّه جهة ما خلقكم له، واحذروا منه كنه ما حذّركم من نفسه، واستحقّوا منه ما أعدّ لكم بالتّنجّز لصدق ميعاده، والحذر من هول معاده. (الخطبة ٨١، ٢، ١٤١)
    فاتّقوا اللّه عباد اللّه، تقيّة ذي لبّ شغل التّفكّر قلبه، وأنصب الخوف بدنه، وأسهرالتّهجّد غرار نومه، وأظمأ الرّجاء هواجر يومه، وظلف الزّهد شهواته، وأوجف الذّكر بلسانه، وقدّم الخوف لأمانه، وتنكّب المخالج عن وضح السّبيل، وسلك أقصد المسالك إلى النّهج المطلوب، ولم تفتله فاتلات الغرور، ولم تعم عليه مشتبهات الأمور، ظافرا بفرحة البشرى، وراحة النّعمى، في أنعم نومه، وآمن يومه. وقد عبر معبر العاجلة حميدا، وقدّم زاد الآجلة سعيدا، وبادر من وجل، وأكمش في مهل (أي أسرع)، ورغب في طلب، وذهب عن هرب (أي انصرف عما يجب الهروب منه)، وراقب في يومه غده، ونظر قدما أمامه. فكفى بالجنّة ثوابا ونوالا، وكفى بالنّار عقابا ووبالا. وكفى باللّه منتقما ونصيرا، وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما. (الخطبة ٨١، ٢، ١٤٤)
    وقال (ع) في صفة الفاسق المغتر بالدنيا، وذلك من خطبته الغراء: أم هذا الّذي أنشأه في ظلمات الأرحام، وشغف الأستار. نطفة دهاقا (أي منصبّة بقوة)، وعلقة محاقا.وجنينا وراضعا، ووليدا ويافعا. ثمّ منحه قلبا حافظا، ولسانا لافظا، وبصرا لاحظا. ليفهم معتبرا، ويقصّر مزدجرا. حتّى إذا قام اعتداله واستوى مثاله، نفر مستكبرا، وخبط سادرا، ماتحا في غرب هواه (أي يستسقي بدلوهواه)، كادحا سعيا لدنياه. في لذّات طربه، وبدوات أربه. لا يحتسب رزيّة، ولا يخشع تقيّة (أي خوفا من اللّه تعالى). فمات في فتنته غريرا، وعاش في هفوته يسيرا. لم يفد عوضا (أي لم يستفد ثوابا)، ولم يقض مفترضا. دهمته فجعات المنيّة في غبّر جماحه، وسنن مراحه... «تراجع تتمة الكلام في المبحث (٣٧٥) الحياة والاحتضار والموت والقبر» (الخطبة ٨١، ٣، ١٤٦)
    ومن خطبة له (ع) يبين فيها صفات المتقين وصفات الفاسقين: عباد اللّه، إنّ من أحبّ عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه على نفسه، فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف. فزهر مصباح الهدى في قلبه، وأعدّ القرى ليومه النّازل به. فقرّب على نفسه البعيد، وهوّن الشّديد. نظر فأبصر، وذكر فاستكثر، وارتوى من عذب فرات سهّلت له موارده، فشرب نهلا، وسلك سبيلا جددا (أي يسهل السير فيه). قد خلع سرابيل الشّهوات، وتخلّى من الهموم، إلاّ همّا واحدا انفرد به. فخرج من صفة العمى، ومشاركة أهل الهوى. وصار من مفاتيح أبواب الهدى، ومغاليق أبواب الرّدى. قد أبصر طريقه، وسلك سبيله، وعرف مناره، وقطع غماره. واستمسك من العرى بأوثقها، ومن الحبال بأمتنها. فهومن اليقين على مثل ضوء الشّمس. قد نصب نفسه للّه سبحانه في أرفع الأمور، من إصدار كلّ وارد عليه، وتصيير كلّ فرع إلى أصله. مصباح ظلمات، كشّاف عشوات، مفتاح مبهمات، دفّاع معضلات، دليل فلوات. يقول فيفهم، ويسكت فيسلم. قد أخلص للّه فاستخلصه. فهومن معادن دينه، وأوتاد أرضه. قد ألزم نفسه العدل، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه. يصف الحقّ ويعمل به. لا يدع للخير غاية إلاّ أمّها، ولا مظنّة إلاّ قصدها. قد أمكن الكتاب من زمامه، فهوقائده وإمامه. يحلّ حيث حلّ ثقله، وينزل حيث كان منزله. (الخطبة ٨٥، ١٥٢)
    (ويتابع عليه السلام خطبته فيقول عن صفات الفاسقين): وآخر قد تسمّى عالما وليس به، فاقتبس جهائل من جهّال، وأضاليل من ضلاّل. ونصب للنّاس أشراكا من حبائل غرور، وقول زور. قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحقّ على أهوائه. يؤمن النّاس من العظائم، ويهوّن كبير الجرائم. يقول: أقف عند الشّبهات، وفيها وقع. ويقول: أعتزل البدع، وبينها اضطجع. فالصّورة صورة إنسان، والقلب قلب حيوان. لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، ولا باب العمى فيصدّ عنه. وذلك ميّت الأحياء. (الخطبة ٨٥، ١٥٤)
    وقال (ع) عن صفة الفاسقين: آثروا عاجلا وأخّروا آجلا، وتركوا صافيا وشربوا آجنا. كأنّي أنظر إلى فاسقهم وقد صحب المنكر فألفه، وبسي‏ء به (أي آستأنس) ووافقه، حتّى شابت عليه مفارقه، وصبغت به خلائقة. ثمّ أقبل مزبدا كالتّيّار لا يبالي ما غرّق، أوكوقع النّار في الهشيم لا يحفل ما حرّق... ازدحموا على الحطام، وتشاحّوا على الحرام، ورفع لهم علم الجنّة والنّار، فصرفوا عن الجنّة وجوههم، وأقبلوا إلى النّار بأعمالهم. ودعاهم ربّهم فنفروا وولّوا، ودعاهم الشّيطان فاستجابوا وأقبلوا. (الخطبة ١٤٢، ٢٥٥)
    وقال (ص) «يا عليّ إنّ القوم سيفتنون بأموالهم، ويمنّون بدينهم على ربّهم، ويتمنّون رحمته، ويأمنون سطوته. ويستحلّون حرامه بالشّبهات الكاذبة والأهواء السّاهية. فيستحلّون الخمر بالنّبيذ، والسّحت بالهديّة، والرّبا بالبيع«. قلت: يا رسول اللّه فبأيّ المنازل أنزلهم عند ذلك؟ أبمنزلة ردّة أم بمنزلة فتنة؟ فقال: »بمنزلة فتنة«. (الخطبة ١٥٤، ٢٧٦)
    وقال (ع) بعد فتنة عثمان، في أن شرط النجاة الاستقامة حتى النهاية: ألا وإنّ القدر السّابق قد وقع، والقضاء الماضي قد تورّد. وإنّي متكلّم بعدة اللّه وحجّته. قال اللّه تعالى إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلاَئكَةُ أَلاَ تَخَافُوا ولاَ تَحْزَنُوا، وأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوْعَدُونَ. وقد قلتم (ربّنا اللّه) فاستقيموا على كتابه، وعلى منهاج أمره، وعلى الطّريقة الصّالحة من عبادته، ثمّ لا تمرقوا منها، ولا تبتدعوا فيها، ولا تخالفوا عنها. فإنّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه يوم القيامة. ثمّ إيّاكم وتهزيع الأخلاق وتصريفها. واجعلوا اللّسان واحدا. وليخزن الرّجل لسانه. فإنّ هذا اللّسان جموح بصاحبه. واللّه ما أرى عبدا يتّقي تقوى تنفعه حتّى يخزن لسانه. وإنّ لسان المؤمن من وراء قلبه، وإنّ قلب المنافق من وراء لسانه. لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلّم بكلام تدبّره في نفسه، فإن كان خيرا أبداه، وإن كان شرّا واراه. وإنّ المنافق يتكلّم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وماذا عليه. ولقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: «لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه. ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه» فمن استطاع منكم أن يلقى اللّه تعالى وهونقيّ الرّاحة من دماء المسلمين وأموالهم، سليم اللّسان من أعراضهم، فليفعل. (الخطبة ١٧٤، ٣١٤)
    قال (ع) في صفة العارف باللّه: قد لبس للحكمة جنّتها، وأخذها بجميع أدبها. من الإقبال عليها والمعرفة بها والتّفرّغ لها. فهي عند نفسه ضالّته الّتي يطلبها، وحاجته الّتي يسأل عنها. فهومغترب إذا اغترب الإسلام، وضرب بعسيب (أي أصل) ذنبه، والصق الأرض بجرانه (الجران: عنق البعير يضعه على الارض، وهوكناية عن الضعف). بقيّة من بقايا حجّته، خليفة من خلائف أنبيائه. (الخطبة ١٨٠، ٣٢٧)
    وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلَى‏ الْجَنَّةِ زُمَراً. قد أمن العذاب، وانقطع العتاب، وزحزحوا عن النّار، واطمأنّت بهم الدّار، ورضوا المثوى والقرار. الّذين كانت أعمالهم في الدّنيا زاكية، وأعينهم باكية، وكان ليلهم في دنياهم نهارا، تخشّعا واستغفارا، وكان نهارهم ليلا، توحشا وانقطاعا. فجعل اللّه لهم الجنّة مآبا، والجزاء ثوابا، (وكانوا أحقّ بها وأهلها)، في ملك دائم، ونعيم قائم. (الخطبة ١٨٨، ٣٥٢)
    ... وإنّي لمن قوم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم. سيماهم سيما الصّدّيقين، وكلامهم كلام الأبرار. عمّار اللّيل ومنار النّهار. متمسّكون بحبل القرآن. يحيون سنن اللّه وسنن رسوله. لا يستكبرون ولا يعلون، ولا يغلّون ولا يفسدون. قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل. (الخطبة ١٩٠، ٤، ٣٧٥)
    روي أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السلام يقال له همام بن شريح كان رجلا عابدا. فقال له: يا أمير المؤمنين صف لي المتّقين حتى كأنّي أنظر إليهم. فتثاقل عليه السلام عن جوابه، ثم قال: يا همام اتّق اللّه وأحسن، ف إنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.
    فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه. فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلى على النبي (ص) ثم قال (ع):
    أمّا بعد فإنّ اللّه سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيّا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه. فقسم بينهم معايشهم ووضعهم من الدّنيا مواضعهم. فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل. منطقهم الصّواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التّواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم. نزّلت أنفسهم منهم في البلاء كالّتي نزّلت في الرّخاء. ولولا الأجل الّذي كتب اللّه عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى الثّواب، وخوفا من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنّة كمن قد رآها، فهم فيها منعّمون، وهم والنّار كمن قد رآها، فهم فيها معذّبون. قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة. وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة. صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة. تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم. أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها. أمّا اللّيل فصافّون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن يرتّلونها ترتيلا. يحزّنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم. فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقا، وظنّوا أنّها نصب أعينهم. وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم. فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم، وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم. وأمّا النّهار فحلماء علماء أبرار أتقياء. قد براهم الخوف بري القداح (أي السهام).
    ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويقول: لقد خولطوا (أي اختل عقلهم من خوف اللّه). ولقد خالطهم أمر عظيم. لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير. فهم لأنفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون. إذا زكّي أحد منهم خاف ممّا يقال له، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربّي أعلم بي منّي بنفسي اللّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل ممّا يظنّون، واغفر لي ما لا يعلمون فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين. وحرصا في علم، وعلما في حلم. وقصدا في غنى، وخشوعا في عبادة. وتجمّلا في فاقة، وصبرا في شدّة. وطلبا في حلال، ونشاطا في هدى، وتحرّجا عن طمع. يعمل الأعمال الصّالحة وهوعلى وجل. يمسي وهمّه الشّكر، ويصبح وهمّه الذّكر. يبيت حذرا ويصبح فرحا، حذرا لمّا حذّر من الغفلة، وفرحا بما أصاب من الفضل والرّحمة. إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحبّ. قرّة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى. يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل. تراه قريبا أمله، قليلا والله. خاشعا قلبه، قانعة نفسه. منزورا (أي قليلا) أكله، سهلا أمره.
    حريزا دينه، ميّتة شهوته، مكظوما غيظه. الخير منه مأمول، والشّرّ منه مأمون. إن كان في الغافلين كتب في الذّاكرين، وإن كان في الذّاكرين لم يكتب من الغافلين. يعفوعمّن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه. بعيدا فحشه (الفحش: القبيح من القول(، ليّنا قوله. غائبا منكره، حاضرا معروفه.
    مقبلا خيره، مدبرا شرّه. في الزّلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرّخاء شكور. لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحبّ. يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه. لا يضيع ما استحفظ ولا ينسى ما ذكّر. ولا ينابز بالألقاب، ولا يضارّ بالجار، ولا يشمت بالمصائب. ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحقّ. إن صمت لم يغمّه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته. وإن بغي عليه صبر حتّى يكون اللّه هوالّذي ينتقم له. نفسه منه في عناء، والنّاس منه في راحة. أتعب نفسه لآخرته، وأراح النّاس من نفسه. بعده عمّن تباعد عنه زهد ونزاهة. ودنّوه ممّن دنا منه لين ورحمة. ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوّه بمكر وخديعة. قال: فصعق همّام صعقة كانت نفسه فيها (أي مات). فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: أما واللّه لقد كنت أخافها عليه. ثمّ قال: هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها؟ (الخطبة ١٩١، ٣٧٦)
    وقال (ع) في صفة السالك الطريق الى اللّه سبحانه: قد أحيا عقله، وأمات نفسه. حتّى دقّ جليله، ولطف غليظه. وبرق له لامع كثير البرق، فأبان له الطّريق، وسلك به السّبيل. وتدافعته الأبواب إلى باب السّلامة، ودار الإقامة. وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن والرّاحة. بما استعمل قلبه، وأرضى ربّه. (الخطبة ٢١٨، ٤١٥)
    وقال (ع) عند تلاوته يُسَبِّحُ لَهُ فِيْهَا بِالغُدُووالآصَالِ رِجَالٌ، لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ولاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ: إنّ اللّه سبحانه وتعالى جعل الذّكر جلاء للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة. وما برح للّه عزّت آلاؤه في البرهة بعد البرهة،وفي ازمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذات عقولهم. فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة، يذكّرون بأيّام اللّه، ويخوّفون مقامه، بمنزلة الأدلّة في الفلوات. من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه، وبشّروه بالنّجاة، ومن أخذ يمينا وشمالا ذمّوا إليه الطّريق، وحذّروه من الهلكة.
    وكانوا كذلك مصابيح تلك الظّلمات، وادلّة تلك الشّبهات. وإنّ للذّكر لأهلا أخذوه من الدّنيا بدلا، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيّام الحياة، ويهتفون بالزّواجر عن محارم اللّه في اسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنّما قطعوا الدّنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنّما اطّلعوا غيوب اهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحقّقت القيامة عليهم عداتها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدّنيا حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى النّاس، ويسمعون ما لا يسمعون. فلومثّلتهم لعقلك في مقاومهم (جمع مقام) المحمودة، ومجالسهم المشهودة، وقد نشروا دواوين أعمالهم، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم، عن كلّ صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصّروا عنها، أونهوا عنها ففرّطوا فيها، وحمّلوا ثقل أوزارهم ظهورهم، فضعفوا عن الإستقلال بها، فنشجوا نشيجا، وتجاوبوا نحيبا، يعجّون إلى ربّهم من مقام ندم واعتراف لرأيت أعلام هدى، ومصابيح دجى، قد حفّت بهم الملائكة، وتنزّلت عليهم السّكينة، وفتحت لهم أبواب السّماء، وأعدّت لهم مقاعد الكرامات، في مقعد اطّلع اللّه عليهم فيه، فرضي سعيهم، وحمد مقامهم. يتنسّمون بدعائه روح التّجاوز (أي يتوقعون التجاوز بدعائهم له)، رهائن فاقة إلى فضله، واسارى ذلّة لعظمته. جرح طول الأسى قلوبهم، وطول البكاء عيونهم.
    لكلّ باب رغبة إلى اللّه منهم يد قارعة، يسألون من لا تضيق لديه المنادح (جمع مندوحة وهي المتسع من الأرض)، ولا يخيب عليه الرّاغبون. فحاسب نفسك لنفسك، فإنّ غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك. (الخطبة ٢٢٠، ٤٢٠)
    واعلموا عباد اللّه إنّ المتّقين ذهبوا بعاجل الدّنيا وآجل الآخرة. فشاركوا أهل الدّنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدّنيا في آخرتهم. سكنوا الدّنيا بأفضل ما سكنت. واكلوها بأفضل ما أكلت. فحظوا من الدّنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبّرون. ثمّ انقلبوا عنها بالزّاد المبلّغ، والمتجر الرّابح. أصابوا لذّة زهد الدّنيا في دنياهم، وتيقّنوا أنّهم جيران اللّه غدا في آخرتهم. لا تردّ لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من لذّة. (الخطبة ٢٦٦، ٤٦٥)
    وقال (ع) عن أناس من أهل الشام اتّبعوا معاوية: ويشترون عاجلها بآجل الأبرار المتّقين. ولن يفوز بالخير إلاّ عامله، ولا يجزى جزاء الشّرّ إلاّ فاعله. (الخطبة ٢٧٢، ٤٩١)
    وإنّما هي نفسي أروضها بالتّقوى، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق. (الخطبة ٢٨٤، ٥٠٦)
    ... في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربّهم شفاههم، وتقشّعت (أي انجلت) بطول استغفارهم ذنوبهم أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ، أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ. (الخطبة ٢٨٤، ٥١٠)
    طوبى لمن ذلّ في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته، وحسنت خليقته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من لسانه، وعزل عن النّاس شرّه. ووسعته السّنّة، ولم ينسب إلى البدعة. (١٢٣ ح ٥٨٨)
    الصّلاة قربان كلّ تقيّ. (١٣٦ ح ٥٩٢)
    وقال (ع) لرجل سأله أن يعظه: لا تكن ممّن يرجوالآخرة بغير العمل. ويرجّي التّوبة (أي يؤخّرها) بطول الأمل، يقول في الدّنيا بقول الزّاهدين. ويعمل فيها بعمل الرّاغبين. إن اعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع. يعجز عن شكر ما اوتي، ويبتغي الزّيادة فيما بقي. ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي. يحبّ الصّالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهوأحدهم. يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له. إن سقم ظلّ نادما، وإن صحّ أمن لاهيا. يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي. إن أصابه بلاء دعا مضطرّا، وإن ناله رخاء أعرض مغترّا. تغلبه نفسه على ما يظنّ، ولا يغلبها على ما يستيقن.
    يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجولنفسه بأكثر من عمله. إن استغنى بطر وفتن وإن افتقر قنط ووهن. يقصّر إذا عمل، ويبالغ إذا سأل. إن عرضت له شهوة أسلف المعصية، وسوّف التّوبة. وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملّة (يقصد بذلك الثبات والصبر واستعانة اللّه على الخلاص من المحن). يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتّعظ. فهوبالقول مدلّ (أي مستعلي)، ومن العمل مقلّ. ينافس فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى. يرى الغنم مغرما (أي خسارة)، والغرم مغنما (أي ربحا). يخشى الموت، ولا يبادر الفوت (أي فوات الفرصة وانقضاؤها). يستعظم من معصية غيره ما يستقلّ أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره. فهوعلى النّاس طاعن، ولنفسه مداهن.
    اللّهو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذّكر مع الفقراء. يحكم على غيره لنفسه، ولا يحكم عليها لغيره. ويرشد غيره ويغوي نفسه. فهويطاع ويعصي، ويستوفي ولا يوفي. ويخشى الخلق في غير ربّه، ولا يخشى ربّه في خلقه.
    يقول الشريف الرضي: ولولم يكن في هذا الكتاب (أي نهج البلاغة) الاّ هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة، وحكمة بالغة وبصيرة لمبصر، وعبرة لناظر مفكر. (١٥٠ ح ٥٩٦) وقال (ع) في صفة المتّقين: كان لي فيما مضى أخ في اللّه، وكان يعظمه في عيني صغر الدّنيا في عينه. وكان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد. وكان أكثر دهره صامتا، فإن قال بدّ (أي منع) القائلين، ونقع غليل السّائلين. وكان ضعيفا مستضعفا فإن جاء الجدّ فهوليث غاب، وصلّ (أي حيّة) واد. لا يدلي بحجّة حتّى يأتي قاضيا. وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله، حتّى يسمع اعتذاره. وكان لا يشكووجعا إلاّ عند برئه. وكان يقول ما يفعل ولا يقول ما لا يفعل.
    وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السّكوت. وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم. وكان إذا بدهه أمران، ينظر أيّهما أقرب إلى الهوى فيخالفه. فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها. فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خير من ترك الكثير. (٢٨٩ ح ٦٢٤)
    إنّ أولياء اللّه هم الّذين نظروا إلى باطن الدّنيا إذا نظر النّاس إلى ظاهرها. واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل النّاس بعاجلها. فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالا، ودركهم لها فونا. أعداء ما سالم النّاس، وسلم ما عادى النّاس. بهم علم الكتاب وبه علموا. وبهم قام الكتاب وبه قاموا. لا يرون مرجوّا فوق ما يرجون، ولا مخوفا فوق ما يخافون. (٤٣٢ ح ٦٥٣)
    منقول من كتاب تصنيف نهج البلاغة
    لبيب بيضون

    balaghah.net  
    الاسم :
    اللقب :
    E-Mail :
     
    OpinionText :
    AvrRate :
    %0
    عدد المشارکین :
    0
    امتیاز شما :

    إتصل بنا| خريطة الموقع| التعريف مرکز الدراسات الشیعه |